خلف الجدار
مسرحية من فصل واحد.
مصطفى لغتيري
وسط الخشبة ينتصب جدار، تبدو لبناته ظاهرة المعالم.. الجدار قصير بحيث يمكن لشخص أن يقف خلفه، فيظهر رأسه.. يدخل الخشبة شاب يرتدي ملابس هيب هوب.. يقوم ببعض الحركات البهلوانية ثم يقف وراء الجدار، الذي يخفي جسده كله إلا راسه.. ثم يبدأ في الحديث:
- يجب ان اظل هنا اكبر قدر ممكن.. قد تمر صدفة من هنا.
يتلاعب بملامح وجهه، ليبدو عليه الحزن، بعد أن كان ممتلئا بالحماس، ثم يقول:
- لا بد أن تمر. حدسي يقول انها ستمر.. لا بد أن تمر.
في تلك الاثناء يدخل رجل خشبة المسرح.. ملابسه غير مرتبة.. يضلع في مشيته.. حين يقترب من الجدار يختفي الشاب تماما، فيما يدنو الرجل من الجدار.. يلتفت يمينا ويسارا، ثم يقرفص هناك... يفتح كيسا صغيرا، ثم يقول:
"بسم الله.. أ رضاة الوالدين."
يطمئن على ما بداخل الكيس، ثم يضيف:
- لقد كان الأمر يستحق العناء.
يعيد إغلاق الكيس.. يفرك يديه جيدا دلالة الرضى.. يحمل الكيس ثم يكمل طريقه. وهو يضلع في مشيته.
حين يختفي يظهر الشاب ثانية، ويقول:
- الفأل يقول إن الأمر يستحق.. نعم إنها تستحق العناء.. سأنتظر حتى تظهر.
ما زال في مكانه وراء الجدار.. يغير ملامح وجهه.. يبدو انه مستمتع بالانتظار.. ينتقل امام الجدار .. يقوم ببعض الحركات البهلوانية..
يسمع صوت صراخ ، بسرعة وبحركات خفيفة يختفي وراء الجدار من جديد..
تظهر امرأة وابنتها، وهما في حالة من الهياج، الأم تؤنب ابنتها، تتوقفان قرب الجدار ثم تخاطبها قائلة:
- عليك اللعنة يا غبية.
ترد عليها ابنتها:
- لم أفعل ما يستحق غضبك يا امي.. لم انت غاضبة؟
تزداد الأم حنقا ثم تقول لها:
- كان صيدا ثمينا، وضيعته من بين يديك.
تحاول البنت امتصاص غضب أمها، فتدنو منها أكثر، وهي تقوم بحركات تشي بأنها تسامح أمها على عتابها لها. ثم تقول مخاطبة إياها:
- يا أمي أنت تبالغين.. لم يكن يستحق العناء.
ساخرة ترد الأم على ابنتها، وهي تقلدها بحركات معينة وصوت مستهزئ:
- "لا يستحق العناء".
تمسك المرأة ابنتها من يدها وتجرها بحركة استعراضية.. تتابع المرأتان طريقهما مبتعدتين عن الجدار، فيما يظهر الشاب بحذر، يطل برأسه، ثم يقول مكررا كلمات البنت وامها:
- لا يستحق العناء.
ثم يتدارك متسائلا:
- ما هذا التناقض؟
ثم يواصل كلامه بحيرة:
-أ يستحق العناء أم لا يستحقه؟
وكانه يتذكر وضعه، فيقول:
- يا إلهي.. هل تستحق الانتظار أم لا؟ أنا أعول عليك لتدلني على ذلك، ثم قال كمن حسم أمره:
" إنها ستمر من هنا."
وكانه يجيب نفسه يتابع قائلا:
"حدسي يقول ذلك، لكن هؤلاء المارة أصابوني بدوخة.. فألهم متناقض.. مرة يقول تستحق العناء وأخرى لا تستحق. يا إلهي أ تستحق أم لا تستحق؟"
يشعر بشخص قادم. يختفي وراء الجدار... إنه نفس الرجل الذي مر في البداية يعود ثانية.. يهرول نحو الجدار بمشية مضحكة.. يتوقف قربه ثم يشرع في البحث عن شيء ضائع. وهو يقول:
" هنا فتحت كيسي.. لا بد أنني اضعته هنا.."
يبحث في كل مكان بلهفة.. يشرع في البكاء متدمرا من ضياع شيء ما، ثم يقول:
" يا لنحسي.. لا يمكن ان أسعد بشيء لوقت طويل.. فقط لو هذا الجدار يتحدث لأخبرني أن كنت أضعته هنا"
يسمع الشاب مناجاة الرجل فيقرر ان يلعب الدور معه، فيقلد صوتا غريبا، وكأن الجدار يتحدث، فيقول:
"يستحق العناء. بل لا يستحق العناء"
ترج المفاجأة الرجل حين يسمع الصوت من وراء الجدار، فيركض هاربا بمشيته المرتبكة، وهو يعرج، ولسانه لا يتوقف عن الكلام:
" بسم الله الرحمان الرحيم.. بسم الله الرحمان الرحيم"
يختفي الرجل، فيظهر الشاب وهو يقهقه ساخرا من رد فعل الرجل.. ثم يقول" لو كان الجدار يتحدث، لحدثني أنا الذي لا أفارقه أبدا"
يسمع صدى خطوات قادمة.. يختفي من جديد .. هذه المرة تظهر شابة.. تمشي بخطوات متغنجة.. ترتدي ملابس أنيقة.. تقف قرب الجدار، ثم تقول:
"لن استسلم.. الجميع يريد مني أن أستسلم، لكنني لن افعل.. إنها فرصتي، ولن أتنازل عنها أبدا.."
هذه المرة توجه كلامها للجمهور مباشر:
-ألست جميلة.. ألا أستحق؟
يرد عليها الجمهور:
" جميلة.. تستحقين"
تبتسم.. تتغنج.. ثم تقول:
"شكرا لكم. لو كان هذا الجدار يتحدث لقالها هو كذلك معكم.
تعجب الشاب المختفي وراء الجدار عبارتها، فيقرر أن يتجاوب معها، ليرد عليها:
"نعم تستحقين"
تتفاجأ الشابة بالصوت. تبصق في صدرها ثم تقول، وهي تركض هاربة:
" بسم الله الرحمان الرحيم .. بسم الله الرحمان الرحيم"
حين تختفي الشابة ، يطل الشاب من جديد يقهقه ساخرا من الفتاة.. ثم يعود إلى حاله، ويقول:
" الثالثة ثابتة.. قالت الشابة أنها تستحق .. إذن سأظل هنا حتى تظهر، مهما كلفني ذلك من وقت."
في تلك اللحظة يرى الشاب رجلا قادما نحوه.. يختفي وراء الجدار.. الرجل يترنح.. يبدو انه سكران. يتمايل في مشيته. يتلفظ بكلام غير مترابط.. يرى الجدار.. يقترب منه.. يستمر في التفوه بعباراته، بينما يمسك في يده سيجارة.. يمتص دخانها بين فينة وأخرى.. يدنو أكثر من الجدار.. يفتح سوستة سرواله.. ثم يشرع في التبول وهو يقول:
" لاشي يستحق.. لا شيء يستحق".
-يسدل الستار-
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق